بحلول عام 2020، سيصل عديد القوى العاملة في المنطقة إلى 188 مليون نسمة، 60% منهم هم من الفئة الشابّة، التي تمثّل إجمالاً القوّة العاملة في البلدان النامية. وبالتالي ليس إلّا منطقياً أن تُقارب هواجس المنطقة ومشاكلها من وجهة نظر الشباب وعلى رأسهم الجامعيّون.
يحاول صندوق النقد اللعب على هذا الوتر لتحقيق أهداف عديدة. وقد طوّر بالفعل استراتيجيّة للتقرّب من الشريحة الشابّة المهمّة في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.
الخطّة عبارة عن سلسلة نقاشات في إطار طاولات مستديرة تعقدها المؤسّسة التي تتخذ من واشنطن مقراً لها، تحاكي تطلّعات الشباب في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، نُظّمت أولاها في لاهور الباكستانيّة، والثانية استضافتها الجامعة الأميركيّة في بيروت (AUB) الأسبوع الماضي.
المبادرة تُسمّى «حوار الصندوق مع الشباب»، وخلال مراحلها المختلفة سيتبادل خبراء الصندوق مع الشباب في المنطقة عبر جولات على الجامعات.
في لبنان طُرحت على طاولة البحث «التحديات التي تواجه لبنان والمنطقة وشبابها في مجال السياسة الاقتصادية». وأبدى الطلّاب اهتماماً لافتاً بمواضيع عددية بحسب مدير مركز المساعدة الفنية الإقليمي للشرق الأوسط، التابع للصندوق، سعادة شامي.
من بين تلك المواضيع كانت البطالة والنظام التعليمي. لماذا؟ ببساطة لأنّ الهاجس الأساسي لدى الطالب هو أن يتعلّم في كنف نظام جيّد وينهي هذه المرحلة معوّلاً على سوق عمل قادرة على أن تستوعبه.
في لبنان أكثر من 45 ألف وافد جديد إلى سوق العمل سنوياً، يمثّل الجامعيّون النسبة الأكبر بينهم. وبين عامي 2000 و2007 فقط نما عدد المتخرّجين في لبنان بنسبة 135% (إلى 32.3 ألف متخرّج)، ووفقاً لأكثر التقديرات تفاؤلاً يمكن للسوق أن تستوعب ثلثهم فقط. والباقي، إلى بلاد الاغتراب أو إلى براثن البطالة.
ولكن ما يحيّر في ما يُطرح على طاولة نقاش صندوق النقد هو أنّه يناقض جذرياً الطروحات الكثيرة التي كانت هذه المؤسّسة تروّج لها لإعادة إعمار (بالمعنى الشامل) البلدان المهدّمة على كل الأصعدة.
فالتقويم الضعيف اجتماعياً لأداء الماليّة العامّة والسياسات العقيمة المرتكزة إلى الفائض الكمّي الاوّلي أدّت إلى وصول حلقة التعليم ـــــ سوق العمل في لبنان إلى ما هي عليه (من بين ملفّات اجتماعيّة اقتصاديّة أخرى).
هل خطوة النقاش مع الشباب هي لحظة تكفير عن الذنوب والتطهير من الخطيئة؟
يجيب نائب مدير الشؤون الخارجيّة في إدارة العلاقات الخارجيّة في الصندوق، جيريمي مارك، عن هذا السؤال، بالقول إنّ عمل الصندوق كعمل أيّ مؤسّسة يتضمّن طبعاً «التعلّم من الأخطاء والتجربة حول العام وخصوصاً في ظلّ هذه البيئة» التي يمكن بالحدّ الأدنى وصفها بأنها مكهربة تجاه الصندوق.
الحجّة التي يطرحها مارك مهمّة جداً لسياسة الخروج من أزمة «رأسماليّة النهوض» التي نصح بها الصندوق البلدان حول العالم. وتُدعّم هذه الحجّة إذا كان شعار الحملة التي يقوم بها الصندوق هو «فنّ التواصل مع الآخرين في مؤسّسات أخرى». وفي هذه الحالة المؤسّسات هي أكاديميّة تضمّ نخبة المستقبل!
تلميذة في الـ«AUB» تطلب أن يفرض الصندوق إجراءاته بالقوة على السياسيّين
وليس غريباً أن يكون جيريمي مارك حاضراً في لقاء الـ«AUB» وربما اللقاءات التي ستُنظّم في المستقبل في لبنان أو في المنطقة. فحين اندلاع الأزمة الماليّة الآسيويّة (1997-1998) كان مراسلاً لصحيفة «Wall Street Journal» الاقتصاديّة. وجنّده الصندوق ليلمّع صورته في تلك المنطقة، وعن أزمة تلك المنطقة للعالم، وخصوصاً أنّ هذه المؤسّسة التي نشأت على أنقاض نظام ما قبل الحرب العالميّة الثانية، عاشت الأمرّين عند اندلاع الأزمة المذكورة وظهرت شرور السياسات التي روّجت لها.
وحالياً هناك حاجة أكثر إلحاحاً لعمليّة تلميع جديدة لصورة الصندوق يجب أن تقام على مختلف الأصعدة وخصوصاً غداة الأزمة الماليّة العالميّة الأخيرة، وتحديداً لأنّ النظام العالمي أوكل إلى الصندوق مهمّة أساسيّة متعلّقة بتدبير شؤون السيولة للعديد من المناطق، وضاعف موارد السيولة المتوافرة له إضافة إلى زيادة صلاحياته على صعيد الرقابة واتخاذ المبادرات.
فماذا يريد الصندوق خاصةً من نقاشه مع الطلّاب؟
بداية، يشير سعادة شامي، إلى أنّ الهدف هو «تحديد أولويّات الشباب الوطنيّة لضمان نموّ اقتصادي مستدام وتوسّع سوق العمل».
ومن المفترض أن يترافق ذلك مع تحديد «الدروس الأساسيّة التي تعلّمناها من الأزمة» الماليّة التي فجّرت برميل بارود النظام الماليّ العالمي غير المستقرّ أساساً.
والنتيجة بطبيعة الحال هي «معرفة ماذا يمكن الصندوق أن يفعله لتحسين الأمور».
الطروحات هنا تبدو مثالية إلى حد بعيد وخصوصاً عندما يتحدّث شامي عن أنّ «نتائج الحوار ستؤخذ إلى القيادة وتُستخدم للتأثير على صنع القرار... وخصوصاً أن بعض الطروحات جدي والبعض الآخر مفيد».
ولكن هل ذلك ممكن فعلاً؟ حتّى الآن يبدو أنّ الصندوق غير متصالح مع النظام الجديد القائم على التعدّدية وحقوق الآخرين بأصوات أكبر فيه مثل البلدان النامية. وهي نقطة أثارها الطلّاب بحثاً عن أجوبة لدور المؤسّسة التي أعرب عدد منهم عن اهتمامه بكيفيّة الانضمام للعمل معها.
ومن النقاط الأخرى التي أثارها الطلّاب، دور الصندوق في لبنان وخصوصاً أنّه أدار برنامج ما بعد الحروب والنزاعات «إيبكا» الذي استمرّ حتّى حزيران 2009.
الطلّاب استطلعوا عن هذا الدور قبل مجيئهم، ولكن كثيرين لم يستطلعوا عن فائدته أو حتّى عن تبلوره، فهناك تلميذة شدّدت على «ضرورة أن يفرض الصندوق إجراءاته بالقوة على البلد من خلال الضغط على سياسيّيه»، وكأنّ تدبير شؤون البلاد الماليّة ـــــ السياسيّة كان هدفه الأساسيّ معاندة المخطّطات القادمة من وراء البحار!
مسائل أخرى، أبرزها تقني، عُرضت في جلسة النقاش مع الصحافة التي تلت الحوار، أوضح فيها سعادة شامي أنّ «البدء بعدد قليل (من الطلّاب) وفي الجامعة الأميركيّة ليس سوى خيار يلبّي شرط أنّه يجب البدء من مكان ما يكون بحجم محدّد»... على أمل أن يمد الصندوق يده للفئات الجامعيّة المهمّشة التي يجب أن تكون آراؤها قيّمة على صعيد الخيارات الاقتصاديّة ـــــ الاجتماعيّة التي يمكن أن يتخذها الصندوق مستقبلاً... أليس الهدف هو أن تكون هذه الخيارات منطقيّة بالحدّ الأدنى؟!
الأخبار
الإثنين 8/3/2010