
التعليم الجامعي في مواجهة التحديّات والتطورات
الدكتور جان بول قندلفت يعدد لمزايا الجامعات
العلم والتطور والتكنولوجيا سمات العصر الحاضر ، بحيث بات شبابنا يتجهون نحو الكليات والاختصاصات التي تفتح لهم مجالات العمل سواء داخل لبنان أو خارجه . من هنا كانت النظرة نحو الجامعات اللبنانية والتي تراعي هذا التطور وتسعى الى الترقي به . بيد أن هذه الجامعات وبسبب الظروف الراهنة وما سبقها من ضغوطات وجدت نفسها في ساحة العلم وحيدة ما من جهات تدعمها أو تسعى الى تطويرها .
امام هذا الواقع إختار الشباب الجامعات في دول الخارج ربما لشعورهم بالراحة النفسية بأنهم لحظة تخرجهم ستفتح لهم مجالات العمل في كل الاتجاهات ، او ربما لأن التعليم الجامعي بحد ذاته بات أقل تكلفة في الدول الاوروبية منه في لبنان .
دكتور الإقتصاد البروفسور في الجامعة اليسوعية جان بول قندلفت تحدًّث عن التعليم الجامعي في لبنان قائلاً : هناك حوالي 46 مؤسسة تعليم عالي والكليات الموجودة فيها تغطي أكثرية العلوم الممكنة، غير ان السؤال الذي يطرح نفسه هو التالي : هل بامكان هذه العلوم أن تتطور وفقاً للتطور التكنولوجي العالمي ؟! . أعتقد بأن بعض الجامعات الكبيرة تسعى لتحقيق ذلك وان لم يكن بنفس السرعة التي نشهدها في الجامعات الغربية .
ونحن إذا ما أردنا أن نتناول سوق العمل اللبناني فيمكن القول بأنه لا يتطلّب عددًأ كبيرًا من الإختصاصات الكبيرة كالتي نراها في العالم ولهذا قد نجد مراكز لفروع متطورة ولكن عددها لا يتعدّى أصابع اليد . والجامعات الكبيرة قد تأخذ هذا الأمر بعين الاعتبار بيد ان المؤسسات الصغيرة والتي تتوخى الربح أو أهداف سياسية معينة فانها لا تلتفت الى الإختصاصات المتطورة .
وعن مستويات وإمكانيات الطلاب أكد الدكتور قندلفت على أن هناك الكثير من طلاب الاقتصاد لا يعملون بمستوى شهاداتهم، وكثيراً ما نجدهم يعملون داخل المصارف ولكن ليس بمستوى خمس سنوات دراسة بسبب عدم توفر فرص العمل الأمر الذي يدفعهم للعمل وفق الموجود .
وأكد على أنه ما من عائق أساسي أمام لبنان ليغدو بلداً منتجاً ومصدراً او تكنولوجياً، وبإمكانه أن يضاهي اسرائيل التي هي من أقوى الدول التكنولوجية في العالم سيّما وان الإمكانيات موجودة، غير ان الاهتمام من قبل المسؤولين هو المعدوم دون ان نعرف الأسباب الحقيقية لذلك .
وتابع : اعتقد بأن المسؤولين اذا ما وضعوا هذا الهدف نصب اعينهم حتما سيتوصلون الى تحقيقه، قد يكون للأوضاع السياسية والأمنية دوراً في عدم تحقيق ذلك ولكنه بات من الضروري أن يتجه لبنان صوب التطور التكنولوجي والعلمي. الأمر يحتاج الى توجيه السياسة الإقتصادية في البلد وبالتالي تشجيع الاستثمارات والتوظيفات من خلال المؤسسات الكبيرة . وهنا تجدر الاشارة الى تجربة فريدة وددت تنفيذها في السابق ضمن الجامعة اليسوعية في الشمال بأن يكون هناك إختصاص "علوم الكومبيوتر" و "مركز الدراسات المعلوماتية" بيد أن الأمر لم يتحقق لأسباب عديدة أبرزها أوضاع الشمال التي لا تسمح من جهة، وعدم الرغبة الحقيقية عند البعض بتطوير الشمال علمياً على حساب مناطق لبنانية أخرى . وكأساتذة جامعيين نشارك في عملية نهوض المدينة من خلال إعطاء آرائنا ولكن ليس لدينا الامكانيات الكافية، الأساتذة ينصحون ويشاركون في الأبحاث سواء على صعيد مؤسساتهم التي يعملون بها أو في المؤسسات العامة نحن نعمل ضمن اتجاهات عديدة لكن للأسف لا حياة لمن تنادي على كافة الصعد .
طبعاً امكانيات الشمال محدودة جداً وبالرغم من ذلك فان كل أستاذ يعمل ضمن اختصاصه ويوّجه الطلاب نحو سوق العمل ويسعى لتأمين الوظائف اللائقة قدر الإمكان اذ إنه ما من مؤسسات أصلاً باستثناء المصارف . وكثيراً ما نطرح السؤال حول توقف بعض المصانع المهمة عن العمل ونجد بأن وراء ذلك أسباب سياسية ومصالح خاصة لا يمكن أن نخوضها كونها أكبر منّا بكثير . من هنا فإن الواقع دائماً ما يشير الى بطء التطور خاصة على صعيد الشمال .
ولهذا فان الكليات الجديدة دائماً ما تصطدم بواقع عدم الترحيب بها خوفاً من عدم وجود أسواق العمل لها، ولكن الاختصاصات التكنولوجية متوفرة في جامعاتنا بيد ان هذه الفروع مكلفة جداً ولا بد من البحث في امكانيات الطلاّب . ورغم ذلك نحن ندعو الى تشجيعها بهدف الابتعاد عن الفروع الكلاسيكسية التي تشكو تخمة خريجيها كالطب والهندسة والمحاماة الموضوع يحتاج للكثير من التوجيه إن من قبل الأهالي أو من قبل الدولة والجامعة . وأذكر بأنني قمت بهذه المهمة عندما كنت مديراً للجامعة اليسوعية في الشمال . وللأسف أن ما نشاهده اليوم في هذا المجال هو عرض للمعلومات وليس توجيهات من قبل المدارس المعنية بالدرجة الأولى بالتوجيه .
وعن أوجه الإختلاف بين الاستاذ المتفرّغ للتعليم والأستاذ الذي يعمل في سوق العمل ويعلّم في الجامعات قال : من يريد التفرُّغ عليه أن يتفرّغ أيضاً للأبحاث وهذا المجال ليس موجوداً في لبنان كونه تكلفة بانتاجية خفيفة، وبالتالي فانه من المفضّل أن يكون للأستاذ عمل مهني الى جانب وظيفته في التعليم كونه قادر على المزج بينهما، وهذا الأستاذ من شأنه أن يفيد طلابه أكثر من الاستاذ الذي يعلمهم فقط النظريات، فهذا حتماًَ تعليمه ناقص .
وعن توجه الخريجين الى سوق العمل في العالم العربي أكد على أنه منذ القدم اللبناني ينظر للخارج كون سوق العمل في لبنان لا يرضي طموحه أو هو خفيف . ونحن بدورنا نشكر الدول العربية التي تستقبل شبابنا، والتي لولاها لكنّا أمام كارثة حقيقية . ولعلَّ الأهم ان شبابنا يجدون في هذه الدول متنفساَ حقيقياً لهم خاصة أولئك الذين لا ينتمون لأي جهة سياسية ويكون من المستحيل عليهم العمل في القطاعات العامة والتي باتت حكراً على أبناء الزعماء السياسيين وأقاربهم وإن لم يكونوا أصحاب كفاءات عالية إلا أنهم يحتلون مراكز مرموقة .
وأشار الى أن هجرة الشباب تفتح مجالات واسعة من ناحية المداخيل التي تعود للبنان . ولا يجوز القول بأن لبنان يحرم من خبرات وقدرات أبنائه الذين يحتلون مراكز مهمة جداً في العالم وهذا من شأنه أن يرفع اسم البلد عالياً .
الواقع بأننا نحتاج الى تحسين أوضاعنا السياسية والتي من شأنها أن تنعكس إيجاباً على الأوضاع الإقتصادية كون لبنان يتمتع عالمياً بموقع مهم جداً وكل الشركات ترغب بافتتاح فروع لها فيه طمعاً بنفسية اللبناني المنفتح والمحب للإنتاج، بيد أن الأمر يحتاج الى خلق مجالات العمل المحترمة .
وعن أوضاع الجامعات اللبنانية قال : اليوم الجامعات التي تضم فروعاً متكاملة في الشمال هي الجامعة اللبنانية وجامعة البلمند، وكنا نتمنى إيجاد اختصاصات في المناطق ليست موجودة في العاصمة بيروت بهدف الإختلاط بين طلاب المناطق . لكن للأسف لم تأت نتائج مساعينا على مستوى طموحاتنا بحجة أنه ما من أساتذة لكل الاختصاصات التي من الممكن إفتتاحها بمعنى أن الأساتذة سيأتون من خارج مدينة طرابلس وهذا ليس بالهدف المطلوب في سبيل إنماء هذه المنطقة تربوياًَ وثقافياً وإجتماعياً وأقتصادياً . ومهما يكن من أمر مدينة طرابلس تحتاج للكثير من الدعم من قبل الجهات المعنية وهنا أنا لا أود الدخول بالأمور السياسية أو العائلية التي تقف دائماً حجر عثرة في وجه تطويرها خاصة في المجال السياحي .
وختم قائلاً : القطاع الجامعي بأغلبيته قطاع خاص باستثناء الجامعة اللبنانية والتي أعتقد أنها ببعض فروعها جديّة ولديها المستوى الجيّد . حالياً وفي ظل الأوضاع السياسية والأمنية التي يعيشها البلد فان القطاع الجامعي يتأثر في حين تسعى الجامعات الكبيرة للحفاظ على مستواها ولكن هذا لا ينفي قدرتها العطاء أكثر . وبسبب هذه الظروف يتجه طلابنا نحو الخارج لأن الملفت بأن العلم في الخارج بات يكلف أقل منه في لبنان, خاصة أبناء المناطق .
نبذة عن حياة الدكتور جان بول قندلفت :
- من مواليد طرابلس العام 1946 تلقى علومه في مدرسة الفرير ثم التحق بالجامعة اليسوعية ونال شهادة الليسانس والدراسات العليا في الإقتصاد .
- سافر الى فرنسا والتحق بالمعهد الفرنسي للبترول حيث تقدّم بأطروحة حول كيفية استعمال موارد الغاز الطبيعي لبلدان الشرق الأوسط ونال شهادة الدكتوراه بدرجة امتياز جيّد جداً .
- عاد الى لبنان في العام 1974 وعمل في مكتب دراسات بترولية وشركة الترابة اللبنانية التي تركها في العام 2002. وهو الآن مدير اداري ومالي وعضو مجلس ادارة منتدب في شركة الترابة البيضاء. ومنذ العام 1975 كلّف بإنشاء وادارة الجامعة اليسوعية لغاية العام 1992 حيث عين بروفسيراً بدوام جزئي وفي العام 2002 بروفسير بدوام كامل في بيروت والشمال. وما زال مديرًا فخريًا لفرع الجامعة في الشمال.